• انضم إلى نشرة GHM البريدية

    خُضرة يُحسد عليها: حنين لأكثر الشواطئ روعة في عُمان

    “ابقَ حيث أنت”، هَمَسَ مرشدي عزيز بينما كنت أستعد لاتخاذ آخر خطوة قصيرة من المنحدرات إلى الشاطئ في محمية رأس الجنز للسلاحف. أصابتني نبرته الملحة بالقلق بأن هناك خطبًا ما.

    ربما أدت خطواتي الثقيلة عند اقترابي من أكبر موقع لأعشاش السلاحف على المحيط الهندي إلى اختلال التوازن الحساس بين الطبيعة والبشر؟

    سبق أن أعلموني بأهمية توخي الحذر واليقظة عند التفاعل مع السلاحف البحرية الخضراء التي تأتي أفواجًا إلى الطرف الشرقي لشبه الجزيرة العربية (ما يقرب من 30 ألف سنويًا) لتبيض.

    السلاحف البحرية الخضراء مخلوقات لطيفة؛ تتميز بجمالها وضعفها في آن واحد. لطالما هدد البشر وجود هذه الكائنات من خلال الإفراط في حصاد بيضها وصيد البالغة منها لتناولها ووقوعها في معدات الصيد.


    مشاهدة السلاحف: أفضل وقت لمشاهدة فقس البيض في رأس الجنز هو فصل الصيف بين شهري مايو وسبتمبر

    في الآونة الأخيرة، أدت الرغبة النهمة في بناء العقارات إلى فقدان مواقع التعشيش الشاطئية. لذلك لا عجب في الأهمية التي تولى للحد من الحضور البشري قدر المستطاع في هذه المنطقة المحمية منذ 1996.

    ولكن ليس أسلوبي العملي في المشي هو سبب توقف عزيز. كان في الحقيقة يريد الحرص على أن أقدر المشهد المهيب الذي سأراه. ومضى قائلًا: “القمر مكتمل الليلة يا حبيبي. كما أنك هنا في منتصف فصل الصيف، وهو الموسم الرئيسي الذي تبيض فيه السلاحف. لا يوجد وقت أفضل لرؤية السلاحف. استعد للاندهاش”.

    كما كان متوقعًا، المشهد التالي لم يخيّب الأعين.

    كان من السهل رؤية السلاحف وهي تضع بيضها في الرمال الناعمة تحت أضواء السماء الليلية الخلابة. وإذ مضينا على طول الشاطئ، زاد أبطال اللعبة في هذه اللوحة وضوحًا.


    ولادة السلاحف الصغيرة: عادة ما يخرج الصغير من بيضته ليلًا أو أثناء العواصف المطرية؛ لأن فرص البقاء على قيد الحياة أفضل عند درجات الحرارة المنخفضة.

    نظرتُ بعطف إلى أم كانت تحاول إخفاء موقع تعشيشها واستخدام زعانفها الكبيرة لتغطية آثارها بالرمال. وعلى مسافة صغيرة، تأرجحت سلحفاة صغيرة بعد أن خرجت من بيضتها إلى الشاطئ المموج وهي تشق طريقها نحو المحيط.

    كانت التجربة نبيلة وكأنها من عالَم آخر، وهو ما يصفه بها أي شخص أمضى هذا القدر من الوقت في هذه المنطقة النائية من عُمان. على الرغم من أن فندق ذا تشيدي مسقط لا يبعد أكثر من 253 كيلومتر، إلا أن الرحلة حتى المنطقة الشرقية، وهي رقعة من البحر والرمل والجبل تمثل أقصى جنوب شرق شبه الجزيرة العربية، كانت ملحمية.

    في حين أن افتتاح طريق الشرقية الساحلي السريع في عام 2008 سهّل السفر في المنطقة، فإن القمم الوعرة لسلسلة جبال الحجر الشرقية التي تتدفق إلى الشواطئ المهجورة والمدن الجميلة ذات الأجواء التقليدية مثل صور ما زالت خير مثال على جبروت الطبيعة.


    تضع حوالي 30 ألف سلحفاة بيضها سنويًا في الطرف الشرقي لشبه الجزيرة العربية

    كما يتجلى التناغم بين خلود الطبيعة وأحدث التطورات في رأس الجنز بحد ذاته. أُنشئت المحمية بموجب مرسوم سلطاني في عام 1996 كوسيلة لحماية مناطق التعشيش من اعتداء صيادي البر والبحر المحليين.

    ارتفع عدد زوار رأس الجنز ارتفاعًا حادًا في الآونة الأخيرة بفضل ما تتميز به عُمان من مزيج فريد من الجمال الطبيعي وسحر التقاليد العربية وكرم الضيافة، مما يجعلها واحدة من أهم الوجهات السياحية في العالم. أنشئ مركز علمي في عام 2008 وشهد أعمال تجديد هائلة في عام 2017.

    مع تسخير التكنولوجيا المتقدمة لتحسين فهم دورة حياة هذه الكائنات، يمكن للزوار دراسة السلاحف البحرية الخضراء بإمعان، بالإضافة إلى الأنواع الأربعة الأخرى من السلاحف البحرية (السلحفاة البحرية ضخمة الرأس، واللجأة صقرية المنقار، ولجأة ردلي الزيتونية، وسلحفاة المحيط جلدية الظهر) التي تعيش في المياه العُمانية. كما تبدأ الجولتان الجماعيتان لمدة ساعة يوميًا من المركز إلى مواقع أعشاش السلاحف، واحدة الساعة 8:30 مساءً والأخرى الساعة 5:30 صباحًا.

    تشمل المزايا الأخرى مطعمًا عالميًا ممتازًا ومرشدًا جديدًا يمكن أن يأخذ الضيوف إلى المناطق السياحية والأنشطة الأخرى في الشرقية، مثل الغطس ورحلات الصيد وزيارة الكثبان الرملية الشاهقة الداخلية.


    سباح: لا تنجو إلا سلحفاة بحرية واحدة من أصل 1000 حتى سن الرشد

    هذه الندرة هي دون شك طريقة ممتازة لجذب الضيوف إلى المحمية. بعد الوقت الذي أمضيته في رأس الجنز، أتأمل في التجربة في فندق ذات تشيدي مسقط مستذكرًا العظمة البرية للشاطئ المحاط بالجرف وفيلقه من أعشاش السلاحف. على الرغم من تحديث المرافق في مركز الزوار، إلا أنه لا يزال هناك شيء رائع وبري حول موقع التفقيس. يتناقض ذلك تمامًا مع الهندسة المعمارية ذات الطراز المغاربي والخدمة الممتازة في فندق ذا تشيدي. لكن المخلوقات وليس سبل الراحة هو ما يجعل الزيارة إلى رأس الجنز جديرة بالاهتمام، خاصة بالنظر إلى حظي في توقيت الزيارة مع اكتمال القمر خلال موسم ذروة التعشيش.

    وضحك قيس البلوشي قائلًا: “أحسنتَ صنعًا بالذهاب في هذا الوقت” أثناء حديثنا عند تناول المشروبات إلى جانب المسبح الطويل. البلوشي، وهو مرشد متمرس زار رأس الجنز مع الضيوف في مناسبات عديدة، كان مندهشًا مثلي من هذه التجربة. ومضى قائلًا: “لا بد من زيارة السلاحف البحرية الخضراء في مواقع الأعشاش في عُمان”. “ولكنه أمر فائق الروعة عندما يكون القمر مكتملًا لأنه تتسنى لك فرصة رؤية العملية الكاملة لوضع البيض”.

    وعدت بعد أيام قليلة إلى الشاطئ في جولة أخرى، هذه المرة في الصباح.  أجد نفسي مضطرًا للقيام برحلة ثانية من المنتجع بسبب جمال ما شاهدته في ليلة البدر. بقي لي يوم واحد فقط في عُمان، مما جعلني أزور المنطقة الشرقية. مع اختفاء القمر أخيرًا في السماء، يصعب رؤية السلاحف، ويصبح المشهد أقل إثارة. بينما تخترق شظايا الشمس المؤقتة السماء، جالبة أشعة الضوء الأولى إلى شبه الجزيرة العربية، لاحظتُ أمًا عملاقة جالسة على حافة المحيط. اقتربت قليلاً لمحاولة الحصول على لقطة أفضل بهاتف الكاميرا، لكن غريزتي منعتني من الاقتراب كثيرًا. بعد لحظة، تركتها وشأنها. في رأس الجنز، تتعلم بسرعة ضرورة إعطاء الطبيعة مساحتها.


    بقلم دنكان فورجان لرحلاتGHM .
    صورة الغلاف: السلحفاة العائدة – الصباح هو أفضل وقت لمشاهدة السلاحف في رحلة من العش إلى البحر. (بإذن من محمية رأس الجنز للسلاحف)

    نُشر في 5 يوليو 2018.

    P
    E
    انضم إلى نشرة GHM البريدية